الحياد الكربوني: كيف تحوّل الشركات شعار المناخ إلى أداة تضليل؟

الحياد الكربوني: كيف تحوّل الشركات شعار المناخ إلى أداة تضليل؟

حيوية | بواسطة أميرة خليفة

أميرة خليفة
أميرة خليفة
مشاركة:
الحياد الكربوني: كيف تحوّل الشركات شعار المناخ إلى أداة تضليل؟

هل سبق أن صادفت عبارات مثل: “احمِ الكوكب بإعادة التدوير” أو “قلّل استخدام البلاستيك اليوم لتحمي البيئة” في حملات دعائية لشركات كبرى؟ لكن، هل تساءلت يومًا عن المسار الفعلي الذي تسلكه هذه الشركات لإنتاج ما تبيعه؟ عن طبيعة عمليات الاستخراج، وسلاسل التوريد، والتكلفة البيئية التي لا تظهر في الإعلانات؟

في كثير من الأحيان، تُنقل المسؤولية البيئية للمستهلك، بينما تستمر الشركات في تحقيق أرباح هائلة عبر نماذج إنتاج تستنزف الموارد الطبيعية وتُفاقم أزمة المناخ، متخفّية خلف شعارات "الاستدامة" و "الوعي البيئي".

في عام 2015، اجتمعت دول العالم في مؤتمر باريس للمناخ لوضع إطار دولي للحد من الانبعاثات الكربونية و الاحترار العالمي. ونصّ الاتفاق على السعي لحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض دون 1.5 درجة مئوية، مع التزامات وطنية تمتد حتى عامي 2030 و 2050، وصولًا إلى تحقيق صافي انبعاثات صفري في منتصف القرن.

في هذه المقالة، نستعرض المفاهيم الأساسية المتعلقة بالكربون والمناخ، ونحلّل المسار الذي تسلكه الدول والشركات الكبرى في ظل هذا التدهور المناخي المتسارع، بين الالتزام الحقيقي… والغسيل الأخضر.

الحياد الكبربوني وصافي صفر 

الحياد الكربوني هو معادلة كمية الانبعاثات التي تطلقها الشركات، إما عن طريق شراء تعويضات كربونية، أو عبر دعم مشاريع تمتص الكربون مثل زراعة الأشجار.
 أما مصطلح "صافي صفر" فيشير إلى تقليص الانبعاثات الصادرة عن الشركات والدول بشكل مباشر، بعيدًا عن التعويض. كما أن "صافي صفر" يشمل جميع الغازات الدفيئة، على عكس الحياد الكربوني الذي يقتصر غالبًا على ثاني أكسيد الكربون فقط.

تصنيف الانبعاثات

تُصنّف الانبعاثات الصادرة عن الشركات والدول ضمن ثلاثة نطاقات:

 Scope 1 - الانبعاثات المباشرة: وهي التي تصدر من أصول الشركة أو الدولة أثناء الإنتاج، مثل انبعاثات المصانع والمولدات والمركبات التابعة للشركة. تُعد هذه الانبعاثات واضحة وسهلة القياس، وتتحمّل الشركة مسؤوليتها الكاملة بنسبة 100%. ولهذا السبب، غالبًا ما تركز الشركات على هذا النطاق في تقاريرها، لأنه الأوضح ولا يمكن التهرب منه.

Scope 2 – الانبعاثات غير المباشرة من الطاقة: وهي الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الطاقة التي تستهلكها الشركة دون أن تنتجها بنفسها، مثل الكهرباء المشتراة من الشبكة، أو التدفئة والتبريد والبخار. ورغم أن هذه الانبعاثات لا تحدث في مقر الشركة مباشرة، إلا أنها تُحسب ضمن بصمتها الكربونية.

 Scope 3 – الانبعاثات غير المباشرة الأخرى (الأخطر): وتشمل جميع الانبعاثات المرتبطة بسلسلة القيمة الكاملة، من الإنتاج وحتى الاستخدام. على سبيل المثال، في شركات السيارات، تُعد الانبعاثات الناتجة عن قيادة السيارة من قبل المستخدم ضمن هذا النطاق. ورغم أن هذه الانبعاثات بهذا النطاق تشكل 70–80% من إجمالي انبعاثات الشركات، فإن العديد منها تتحايل على إدراجها في تقاريرها الرسمية، لتقليل حجم مسؤوليتها البيئية.

مثال عملي على الغسيل الأخضر والاحتيال البيئي: شركة - SHELL



بين عامي 2019 و2020، أطلقت شركة SHELL حملة دعائية تحت عنوان: "قد سيارتك بوقود محايد كربونيًا".
كانت الحملة في ظاهرها بسيطة وجذابة، حيث طُلب من السائقين دفع مبلغ إضافي أثناء تعبئة الوقود مقابل تعويض الكربون عبر زراعة الأشجار. لكن، في الواقع، تم تحميل المستهلك المسؤولية، في حين واصلت الشركة بيع منتجاتها الأحفورية كالمعتاد.

بعيدًا عن أن التعويض الكربوني لا يُعد حلًا كافيًا، إذ إن تأثير زراعة الأشجار قد يحتاج من 50 إلى 100 عام للظهور بينما الانبعاثات تحسب وتؤثر في نفس السنة، فإن توهيم المستهلك بأنه يساهم في حماية البيئة يُعد تضليلًا بيئيًا يتنافى مع الأخلاق.

واجهت الحملة موجة انتقادات واسعة، ووصفتها المنظمة البيئية الدولية المستقلة Greenpeace  بأنها مثال كلاسيكي على الغسل الأخضر، حيث تم تلميع منتج ملوّث وتقديمه على أنه حل لمشكلة بيئية ضخمة.

وفي عام 2021، صدر حكم تاريخي من محكمة في لاهاي يُلزم الشركة بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 45% بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2019، ليشمل النطاقات الثلاثة Scope 1 و2 و3.

لكن لاحقًا، في 12 نوفمبر 2024، ألغت محكمة الاستئناف في لاهاي هذا الحكم، بحجة أن القضاء لا يمكنه فرض نسبة خفض محددة (مثل 45%) على شركة واحدة، رغم اعترافه بأن على الشركة التزامًا عامًا بخفض الانبعاثات حمايةً لحقوق الإنسان من آثار تغيّر المناخ. وهكذا، توقّف الالتزام القانوني الصريح الذي فرضه الحكم الأول.

مفترق طرق مناخي

يقف العالم اليوم على مفترق بيئي خطير، إذ لا تزال مؤشرات الخطر ترتفع يومًا بعد يوم، في ظل وعود جوفاء من الشركات الكبرى الملوّثة والدول المستفيدة. وتشير التقارير الأولية إلى أن هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2030 بات حلمًا بعيد المنال.

ومع غلبة الخطاب على الفعل، يبدو أن الاجتماعات المناخية المكثفة ستفشل في تحقيق التغيير المطلوب، طالما لم تُحاسب الجهات المسؤولة عن الانبعاثات الكبرى.



احصل على إشعار لكل مقال جديد!

مقالات ذات صلة