شهد الساحل السوري خلال صيف العام الماضي موجة حرائق غابات وُصفت بأنها من الأعنف خلال السنوات الأخيرة، إذ امتدت النيران على مساحات واسعة من الغابات وألحقت أضرارًا بيئية واقتصادية كبيرة.
لم تكن هذه الحرائق حدثًا مفاجئًا، بل جاءت نتيجة تراكم عوامل مناخية وبيئية وإدارية وخدمية، من بينها فترات الجفاف الطويلة، ارتفاع درجات الحرارة، كثافة الغطاء النباتي الجاف وتراكم المخلفات النباتية القابلة للاشتعال، إلى جانب ضعف البنية التحتية الغابوية التي تعيق الوصول السريع إلى مناطق الاشتعال.
تعكس هذه الحرائق نمطًا معروفًا علميًا في المناطق ذات المناخ المتوسطي، حيث تنتشر النار تدريجيًا عبر اتصال الوقود النباتي (أي النباتات التي تغذّي الحريق) واستمرار الغطاء الغابوي دون وجود فواصل طبيعية أو اصطناعية تحد من انتشارها.
تُظهر التجارب العالمية أن الاعتماد على إطفاء الحرائق وحده غالبًا ما يكون غير كافٍ، ما يفتح الباب أمام التفكير بحلول وقائية طويلة الأمد تُعالج أسباب انتشار الحرائق بدل الاكتفاء بمواجهتها بعد اندلاعها.
الحواجز الخضراء الواقية من الحرائق (Green Firebreaks)
يبرز مفهوم الحواجز الخضراء كأحد الحلول البيئية المبتكرة التي طُبّقت بنجاح في عدة دول، أبرزها الصين. تُعرّف بأنها أحزمة مزروعة باستخدام أنواع نباتية منخفضة القابلية للاشتعال، تُنشأ في مواقع استراتيجية داخل الغابات أو على أطرافها للحد من انتشار الحرائق.
وعلى عكس الحواجز التقليدية التي تعتمد على إزالة الغطاء النباتي وترك مساحات عارية، تقوم الحواجز الخضراء على إعادة تصميم الوقود النباتي، بطريقة تقلل من قابلية الاشتعال وسرعة انتشار اللهب.
كيف تعمل الحواجز الخضراء؟
تعمل الحواجز الخضراء على إبطاء انتشار الحرائق من خلال تغيير طبيعة الغابة في المناطق التي تُنشأ فيها. فهي تقلّل من تلاصق النباتات القابلة للاشتعال على سطح الأرض، مما يصعّب على النار الانتقال بسرعة من مكان إلى آخر.
كما تمنع الحواجز الخضراء وصول النار من الأعشاب والشجيرات إلى قمم الأشجار، وهو ما يحدّ من تحوّل الحريق إلى حريق شديد وسريع الانتشار.
إضافة إلى ذلك، تشكّل النباتات المزروعة في هذه الحواجز عائقًا طبيعيًا أمام حركة الرياح، ما يؤدي إلى تقليل سرعتها داخل الحاجز، وبالتالي خفض إمداد النار بالأكسجين لتقليل انتقال الشرر.
وتسهم هذه النباتات أيضًا في زيادة الرطوبة وتوفير الظل، ما يحافظ على رطوبة التربة ويؤخّر جفاف النباتات القابلة للاشتعال، كما يساعد على خفض درجات الحرارة القريبة من الأرض، وبالتالي تقليل احتمال اندلاع الحرائق وحدّتها.
التجربة الصينية
أظهرت التجربة الصينية في هذا المجال نتائج مشجّعة، إذ جرى إدماج الحواجز الخضراء ضمن استراتيجية وطنية لإدارة حرائق الغابات، مع اختيار مدروس للأنواع النباتية و تصميم الغطاء النباتي على طبقات مختلفة. وقد ساعد هذا الأسلوب على إبطاء انتشار الحرائق، والحد من تحوّل الحرائق السطحية إلى حرائق تصيب قمم الأشجار شديدة الخطورة، إضافة إلى تحسين الظروف المناخية داخل الغابات في المناطق المعرّضة للحرائق.
من الصين إلى الساحل السوري
على الرغم من أن حرائق الساحل السوري خلال العام الماضي كانت واسعة وعالية الشدة، إلا أن طبيعة انتشارها تُظهر أنها كانت تعتمد بشكل أساسي على استمرارية الوقود النباتي وممرات الرياح والتضاريس الجبلية. وهذا يعني أن كسر هذا الاتصال البيئي كان من الممكن أن يحد من توسّع الحرائق ويُسهّل احتواءها. من هنا، تبدو الحواجز الخضراء حلًا مناسبًا لحالة الساحل السوري، لكونها حلاً تُضعف شروط انتشار الحرائق وتحول دون تطورها إلى حرائق كارثية واسعة النطاق.
الهندسة الحيوية وتكييف الحل مع البيئة السورية
يبرز دور الهندسة الحيوية في هذا السياق بوصفها أداة أساسية لتكييف مفهوم الحواجز الخضراء مع البيئة السورية، بدلًا من نقل التجربة الصينية بشكل حرفي. إذ تسهم في تحليل خصائص النباتات المحلية، وتقييم قابليتها للاشتعال، واختيار الأنواع الأنسب لإنشاء حواجز فعّالة تحافظ في الوقت نفسه على التوازن البيئي.
كما تتيح تصميم بنية نباتية متعددة الطبقات تأخذ بعين الاعتبار المناخ المتوسطي، طبيعة التربة، وتوزع الغابات في الساحل السوري.
ويمكن البدء بتطبيق هذا النهج عبر مشاريع تجريبية محدودة في المناطق الأكثر عرضة للحرائق، من خلال إنشاء حواجز خضراء بعرض مناسب ودمجها مع الطرق الغابوية القائمة ونقاط المراقبة. وعلى الرغم من أن هذا الحل لا يحقق نتائج فورية، إلا أن آثاره الوقائية تبدأ بالظهور تدريجيًا مع نضج الغطاء النباتي وتكوّن المناخ المحلي الدقيق داخل الغابات، وهي عمليات تشير الدراسات إلى أنها تستغرق عادة عدة سنوات بعد التأسيس، وغالبًا ما تُقدَّر بثلاث إلى خمس سنوات تبعًا للظروف البيئية ونوع الغطاء النباتي، دون وجود مدة زمنية ثابتة، إذ ترتبط الفعالية بمرحلة نضج الحواجز الخضراء في الختام، نُظهر في هذه القراءة أن حرائق الساحل السوري ليست مجرد أحداث موسمية عابرة، بل مؤشراً على الحاجة إلى إعادة التفكير في إدارة النظم الغابوية. وتمثل الحواجز الخضراء، عند تصميمها وتطبيقها من منظور الهندسة الحيوية، فرصة حقيقية للانتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى الوقاية المستدامة، بما يساهم في حماية الغابات السورية للأجيال القادمة.
المصدر: