لطالما كان تصميم جزيء كيميائي جديد مهمة شاقة جدًا على العلماء، بسبب الكم الهائل من البيانات، إذ يحتاج تصميم كثير من الجزيئات إلى وقت طويل من البحث والغوص في مئات الأوراق العلمية.
تسهيلًا لهذه العملية، عمل علماء الكيمياء في جامعة ييل بالتعاون مع باحثين من شركة Boehringer Ingelheim Pharmaceuticals على تطوير نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي يتكوّن من خبراء رقمين. يعرف هذا النظام باسم MOSAIC، وهو إطار ذكاء اصطناعي قادر على توليد إجراءات تجريبية لتخليق المركبات الكيميائية، بما في ذلك مركبات لم يتم الإبلاغ عنها سابقًا.
يشبّه البروفيسور تيموثي نيوهاوس، أستاذ الكيمياء في جامعة ييل، آلية عمل MOSAIC بوصفات الطهي، قائلًا:
"تمامًا كما يتبع الطهاة وصفات من كتب الطبخ، يتبع الكيميائيون وصفات لتخليق الجزيئات. MOSAIC يُسهّل هذه العملية، تمامًا كما جعل ChatGPT العثور على وصفات الطبخ أسهل وأكثر متعة."
وعلى عكس أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية، لا يعتمد MOSAIC على خبير واحد أو مصدر واحد، بل يستند إلى 2,498 خبيرًا رقميًا في الكيمياء، كل خبير متخصص بدقة في نوع معيّن من التحويلات أو التفاعلات الكيميائية.
لتبسيط الفكرة، تخيّل أنك تريد طهي طبق معقّد، وبدلًا من سؤال طاهٍ واحد، تسأل 2500 طاهٍ، كل واحد منهم مختص بجزئية محددة: هذا في البهارات، وذاك في السوائل، وآخر في طرق الطهي. في النهاية، تحصل على أفضل وصفة ممكنة. هذا بالضبط ما يقدّمه النظام للكيميائيين.
بعد اقتراح أفضل “وصفة” تخليق، يعمل النظام على اختيار أحد أكفأ المسارات الممكنة، وكأنه Google Maps ولكن للجزيئات والمركبات الكيميائية.
والأذكى من ذلك أن النظام يقيّم نفسه بنفسه، فيُخبر العلماء بمدى ثقته في النتيجة: هل هو متأكد تمامًا أم غير متأكد. فإذا كانت الوصفة جديدة جدًا ولم يسبق تجربتها، ينبه الباحث قائلًا:
“أنا لست متأكدًا تمامًا، انتبه”. وهذا وحده قد يوفر على العلماء الكثير من الوقت والمال الذي قد يُهدر في تجارب فاشلة.
تأثير حقيقي
أثبت MOSAIC فعاليته عمليًا، حيث تمكّن فريق من العلماء والصناعيين في جامعة ييل من تخليق 35 مركبًا جديدًا لم يتم الإبلاغ عنها سابقًا. وبهذا انتقل النظام من مجرد فكرة نظرية إلى أداة عملية تم اختبارها بنجاح.
رغم هذا النجاح، لا يزال تقييم مدى موثوقية الأداة على المدى الطويل قيد الدراسة، لكن من الواضح أن MOSAIC يُعد خطوة كبيرة نحو تسريع الابتكار الكيميائي، وتقريب الذكاء الاصطناعي من قلب التجربة العلمية.
المصدر: