ما الجينوم، وكيف يختلف عن علم الوراثة الذي تعلَّمناه في المدرسة؟ ولماذا تتنافس الحكومات في تنفيذ «مشروعات الجينوم»، وما الفائدة المرجوَّة من إنفاق الملايين على أبحاثه؟
ربما تتذكَّر في درس العلوم في المرحلة الإعدادية رسمَ جدولٍ من أربع خانات، وملأَه بالشكل الآتي:
استخدمنا هذا الجدول آنذاك لفهم تجربة مؤسِّس علم الوراثة غريغور مندل ، التي أجراها على نبات البازلاء؛ إذ راقب مندل خصائص النبتة، مثل لون الزهرة، واضعًا أسس علم الوراثة، الذي يفترض أن أي صفة في الجسم ممثَّلة بنسختين من الجين (واحدة من الأم، وأخرى من الأب)، وبذلك تكون الصفة الظاهرة إمَّا لإحداهما، أو مزيجًا من الاثنتين.
نشر مندل استنتاجاته وحصيلة تجاربه عام 1866م، لكن قانون الوراثة، كما نعرفه اليوم، لم يُصَغ إلَّا بعد نحو 36 عامًا من ذلك. وعلى مدى 160 عامًا، من النمسا إلى ألمانيا، وعبر المحيط إلى الولايات المتحدة، استمرَّ العلماء في الكشف عن قطعٍ من أحجية لا يزالون يحاولون إكمالها حتى اليوم.
هل هو جين أم جينوم؟
في مطلع القرن العشرين اقترح ويليام باتيسون استخدام مصطلح «جينيتيكس» (Genetics) لوصف علم الوراثة، مشتقًّا إيَّاه من كلمة «جينيسيس» (Genesis)، التي تعني «الأصل». واليوم نُطلق اسم «جين» على الوحدة الأساسية للوراثة؛ فالجينات تمرِّر الصفات الشكلية والبيولوجية من الوالدين إلى الأبناء.
تعلَّمنا في المدرسة أن كل صفة موروثة محمولة في جين واحد، غير أن أجسادنا أكثر تعقيدًا؛ فبعض الصفات، مثل النمش، تُورَّث عبر جين واحد، في حين تنتج صفات أخرى، مثل نمط تجاعيد الشعر، عن تفاعل عدد كبير من الجينات.
وبصورة أدق، فإن الجين هو جزء من الشفرة الوراثية (دي إن إيه)، يحمل معلومةً لإنتاج بروتين. وهذا يقودنا إلى مصطلح «الجينوم».
فإذا كان الجين معلومة وراثية مفردة، فإن الجينوم هو كامل المعلومات الوراثية التي تحملها خلية واحدة من خلايا الجسد.
والجينوم هو شفرتنا الوراثية الكاملة، الملفوفة حول 23 زوجًا من الكروموسومات، بما تحويه من معلومات تُترجَم إلى صفات شكلية واضحة، ومعلومات تقود عملياتنا الحيوية، ما نَفهمه منها، وما لا نزال نسعى إلى فهمه.
وفي سياق أكثر تخصُّصًا، فإن الجينوم هو كامل الشفرة الوراثية الموجودة في النواة، والمختبئة في الميتوكوندريا، سواء أُترجِمَت إلى بروتينات، أو إلى أحماض نووية، أو لم تُترجَم. فالجينوم أعمُّ وأشمل من الجين.
ما الجدوى من دراسة الجينوم؟
لا يخبرنا علم الجينات فقط عمَّا إذا كان أبناؤنا سيحملون أعينًا خضراء أم عسلية، بل يمكنه أيضًا تحذيرنا إذا كنَّا معرَّضين لأمراض وراثية، مثل الأنيميا المنجلية والتليُّف الكيسي.
غير أن بعض الأمراض تنتج عن طفرات، أو تغيُّرات، في عدد من الجينات؛ فعلى سبيل المثال يتأثَّر داء السكري بالجينات التي تنظِّم إنتاج الإنسولين، وحساسية الجسم له، وتلك التي تنظِّم معدَّل أيض سكر الغلوكوز، ومعدَّل الدهون في الجسم. وفي مثال آخر، فإن مجموعة اضطرابات طيف التوحد ذات جذور جينية معقَّدة، تشمل الجينات المسؤولة عن نمو الأعصاب وتشابكها، إضافةً إلى عوامل خارجية.
ومع تقدُّم علم الجينات وجد العلماء أن دراسة الجينات كلٌّ على حدة قد لا تكون مجدية، بل ينبغي النظر إليها كمنظومة متكاملة. وخلافًا للنظرة القديمة التي ظنَّت أن لا فائدة لأجزاء الشفرة الوراثية غير المترجَمة، أثبتت الأبحاث الأحدث أهميتها في تنظيم ترجمة الجينات، وتصنيع البروتينات، ومقاومة الفيروسات. وبوجه عام، يمنحنا علم الجينوم منظورًا عميقًا إلى صحتنا الجسدية والنفسية، ويُمكِّننا من فهم أسباب الأمراض، وعلاجها، والوقاية منها.
سباق الجينوم الدولي
في عام 2003م أُعلِن عن الانتهاء من مشروع الجينوم البشري بعد 13 عامًا من العمل الدؤوب، وبميزانية تُقدَّر بثلاثين مليار دولار. ويُقدَّر طول الحمض النووي للإنسان بنحو مترين، ويحمل في طيَّاته نحو 22 ألف جين وقد أتم المشروع تخطيط 92% منه. ويتمثَّل أحد أكبر إنجازات هذا المشروع في تزويدنا بمخطَّط لهذه الشفرة، يبيِّن مواقع الجينات، بما يمكِّن الباحثين من استهداف كل جين لدراسة وظائفه. وفي عام 2022م أُعلِن عن إتمام الثمانية في المئة المتبقية، على يد مشروع «تيلومير إلى تيلومير» (Telomere-to-Telomere Consortium).
يتطابق الحمض النووي للبشر جميعهم بنسبة تتجاوز 99%، ويكمن الاختلاف بين الأفراد في الواحد في المئة المتبقية.
وخلال الأعوام القليلة الماضية باشرت دول عديدة إنشاء قواعد بيانات معنيَّة بجينوم مواطنيها، ومنها مشروع الجينوم السعودي والمشروع القطري والمشروع الإماراتي والمشروع الصيني، إضافةً إلى مشروع «مئة ألف جينوم» الإنجليزي، الذي يهدف إلى دراسة جينوم مرضى السرطان، والأمراض النادرة، بحثًا عن أسباب المرض. ويأمل الباحثون أن يعثروا في الجينوم على إجابات تساعدهم في التنبؤ باحتمالات إصابة مجتمعات بعينها بالأمراض، ومدى استجابتها للتدخُّلات العلاجية، ووضع أسس مستقبل الطب الشخصي الذي يطمح إلى علاج الأمراض ووضع خطط الوقاية منها على نحو فردي، استنادًا إلى الفروق الجينية بين الأفراد والمجتمعات.
