عادةً ما يستحضر مفهوم الفيروس صور المرض والأوبئة، غير أن العلماء يعيدون اليوم النظر في هذه الكائنات المجهرية من زاوية مختلفة تمامًا؛ إذ بات من الممكن برمجتها أو تعديلها لتصبح أسلحة موجّهة ضد السرطان. تُعرف هذه الفيروسات باسم الفيروسات الانحلالية، وهي فيروسات تُختار أو تُهندَس بحيث تدخل إلى الخلايا السرطانية على نحو تفضيلي، وتتكاثر داخلها، مع تقليل الضرر الواقع على الخلايا السليمة قدر الإمكان.
ماذا يحدث عندما يدخل الفيروس إلى الخلية السرطانية؟
عندما يصيب الفيروس خلية سرطانية، يبدأ باستخدامها كما لو كانت مصنعًا لإنتاج نسخ جديدة منه. تتراكم هذه النسخ داخل الخلية حتى تعجز عن الاحتمال، فتتمزق أو تنفجر. وتُسمى هذه العملية التحلل، أي تدمير الخلية من الداخل.
لكن القصة لا تنتهي هنا؛ فعندما تتحلل الخلية السرطانية، تُطلق فيروسات جديدة، إلى جانب أجزاء من الخلية نفسها. تعمل هذه الأجزاء كإشارات إنذار تُنبّه جهاز المناعة إلى وجود خطر في هذا الموضع، وكأن الورم الذي كان مختبئًا بدأ يكشف عن نفسه.
وبهذا يحوّل الفيروس الورم من “بارد” إلى “ساخن”!
بعض الأورام تُوصف بأنها باردة، أي أن جهاز المناعة لا يتفاعل معها بالقدر الكافي، إما لأنه لا يتعرف إليها بوضوح، أو لأن البيئة المحيطة بها تثبط الاستجابة المناعية. لكن بعد دخول الفيروس إلى الورم، تزداد الإشارات التحذيرية، وتنجذب خلايا مناعية أكثر إلى المكان.
عندها يمكن أن يتحول الورم من ورم “بارد” قليل الاستجابة إلى ورم “ساخن”، أي أكثر نشاطًا مناعيًا، وأسهل على جهاز المناعة أن يتعرف إليه ويهاجمه.
كيف يفهم جهاز المناعة ما يحدث؟
يعتمد جهاز المناعة على التعرف إلى “بصمات” الخلايا. تُسمى هذه البصمات مستضدات، وهي علامات تساعد الجسم على تمييز الخلايا الغريبة أو الخطرة. وعندما تخرج هذه المستضدات من الخلية السرطانية بعد تحللها، تلتقطها خلايا متخصصة في جهاز المناعة، ثم تعرضها على خلايا مناعية أخرى. يمكن تشبيه الأمر برسالة تحذير تقول لبقية الجهاز المناعي: “هذا هو شكل العدو، فابحثوا عنه.”
هنا يأتي دور أنواع مهمة من الخلايا المناعية لمهاجمة السرطان، أبرزها:
- الخلايا التائية القاتلة CD8 T cells، وهي خلايا تبحث عن الخلايا التي تحمل البصمة نفسها، ثم تهاجمها وتدمرها.
- الخلايا القاتلة الطبيعية NK cells، وهي خلايا سريعة الاستجابة، تهاجم الخلايا التي تبدو غير طبيعية أو مشبوهة.
وهكذا، وبفضل الفيروس، يصبح الورم أكثر وضوحًا أمام جهاز المناعة، بعد أن كان قادرًا على الاختباء أو التهرب من المراقبة المناعية.
الطب الشخصي: نحو فيروس يناسب كل ورم
يسعى الطب الدقيق إلى مطابقة العلاج مع الخصائص الجينية والمناعية لكل ورم. وفي هذا السياق، يجري تطوير فيروسات تستغل علامات بيولوجية فريدة، مثل الطفرات الجينية أو المستقبلات الموجودة على سطح الخلايا السرطانية.
ويرى الخبراء أن التعرف إلى هذه العلامات ضروري لتخصيص العلاج الفيروسي، إلا أن تحليل الكم الهائل من البيانات الجينية والمناعية ما يزال يمثل تحديًا مهمًا. لذلك يدرس الباحثون إمكانية تصميم فيروسات تحمل مستضدات جديدة خاصة بكل مريض، أو تستهدف مستقبلات معينة في الورم، إضافةً إلى استخدام جسيمات شبيهة بالفيروسات أو جسيمات نانوية تحاكي بعض خصائص الفيروس من دون أن تكون فيروسًا كاملًا.
هل هناك فيروسات تُستخدم فعلاً في العلاج؟
تجربة ذاتية عام 2024
في عام 2024، تصدرت قصة العالمة الكرواتية بياتا هالاسي عناوين الأخبار، بعدما استخدمت العلاج الفيروسي الانحلالي لعلاج سرطان ثدي عائد لديها. كانت هالاسي تعاني من ورم ثلاثي السلبية متكرر، يغزو الجلد والعضلات. وقد قامت بحقن الورم بسلسلتين مختلفتين من الفيروسات الانحلالية وفق جدول زمني محدد.
تقلص حجم الورم، وتحول من كتلة صلبة ملتهبة إلى عقدة أصغر وأكثر ليونة. كما أظهر الفحص النسيجي للورم المستأصل تسللًا كثيفًا للخلايا البائية والخلايا التائية، ما يشير إلى حدوث استجابة مناعية تكيفية. ولم تعانِ هالاسي سوى حمى خفيفة بعد أحد الحقن، وظلت خالية من السرطان لمدة 45 شهرًا.
ومع أن هذه التجربة الفردية تُبرز الإمكانات الواعدة للفيروسات الانحلالية، فإنها لا تكفي للتعميم. لذلك يحذر الباحثون من تكرار مثل هذه المحاولات خارج إطار التجارب السريرية المنظمة وتحت إشراف طبي متخصص.
تجربة سريرية في الورم الأرومي الدبقي
يُعد الورم الأرومي الدبقي Glioblastoma من أكثر أورام الدماغ الأولية عدوانية، وغالبًا ما يكون ضعيف الاستجابة للمناعة. وتشير نتائج تجربة سريرية حديثة إلى استخدام حقنة واحدة داخل الورم من فيروس هربسي معدل يُسمى rQNestin34.5v.2. صُمم هذا الفيروس ليتكاثر داخل خلايا الورم الدبقي على نحو انتقائي، فيقتلها ويطلق إشارات قادرة على تنشيط الجهاز المناعي.
ضمت الدراسة 41 مريضًا يعانون من تكرار الورم الدبقي، وأشارت النتائج إلى تحسن في البقاء مقارنةً بما يُعرف عن المسار الطبيعي للمرض، خصوصًا لدى المرضى الذين كانت لديهم أجسام مضادة مسبقة للفيروس. كما أظهر تحليل عينات الورم زيادة طويلة الأمد في تسلل الخلايا التائية القاتلة، وهو ما يدعم فكرة أن الفيروسات الانحلالية قد تساعد على تحويل ورم “بارد” أو ضعيف الاستجابة، مثل الورم الدبقي، إلى ورم أكثر “سخونة” واستجابة مناعية.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم الوعود الكبيرة، لا تزال الفيروسات الانحلالية تواجه عقبات عدة. من أبرز هذه العقبات وجود مناعة سابقة لدى بعض المرضى ضد فيروسات شائعة، ما قد يؤدي إلى تحييد الفيروس سريعًا، خصوصًا عند إعطائه عن طريق الوريد. لذلك تُدرس استراتيجيات مثل تغليف الفيروسات بجسيمات نانوية، أو استخدام خلايا ناقلة تساعدها على الوصول إلى الورم بكفاءة أكبر.
كما أن البيئة الورمية الكثيفة قد تعيق انتشار الفيروس داخل الورم، لذلك يجري تصميم فيروسات أكثر فاعلية، أو دمجها مع علاجات أخرى مثل الأشعة أو العلاج الكيميائي أو مثبطات نقاط التفتيش المناعية، بهدف تحقيق تأثير تآزري أقوى.
وسيظل نجاح العلاج الفيروسي الشخصي مرتبطًا بالقدرة على اكتشاف علامات حيوية دقيقة، وتحليل بيانات الورم بسرعة، وهندسة فيروسات آمنة وفعالة تناسب خصائص كل مريض. ومع استمرار التجارب السريرية وتطور المنصات الشبيهة بالفيروسات، قد تتحول هذه الكائنات المجهرية، التي طالما ارتبطت بالخوف والمرض، إلى حلفاء ثمينين في مكافحة السرطان.
المصادر
- Li Y, Yu Z, Xiao Y, et al. Oncolytic viruses for cancer therapy: barriers and recent advances. Signal Transduct Target Ther. 2023;8:145.
- Halassy B, et al. Self-administration of oncolytic virotherapy in recurrent breast cancer: a case report. Vaccines. 2024.
- Friedman GK, et al. Oncolytic herpes virus therapy for glioblastoma: recent advances and clinical outcomes. Clin Cancer Res. 2024.
- Andtbacka RHI, Kaufman HL, Collichio F, et al. Talimogene Laherparepvec improves durable response rate in patients with advanced melanoma. J Clin Oncol. 2015;33(25):2780–2788.
- Kaufman HL, Kohlhapp FJ, Zloza A. Oncolytic viruses: a new class of immunotherapy drugs. Nat Rev Drug Discov. 2015;14(9):642–662.